التراخيص … أداة لوضع الكيانات القائمة والعاملة فى سوق الغاز فى مصاف الشركات العالمية

تماشياً مع رؤية مصر 2030 واستراتيجية محور الطاقة المصرى لتحرير الأسواق وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبى، مما يحقق التنمية الشاملة للاقتصاد القومى.

فقد ارتكزت استراتيجية قطاع البترول على عدة محاور أساسية تهدف إلى إعادة هيكلة وإصلاح قطاع الغاز الطبيعى ودعم كفاءة الطاقة وجذب الاستثمارات والتوجه نحو سوق إقليمى للغاز، حيث يلعب الغاز دور محورى ومؤثر فى خلق التنمية المستدامة من خلال توفير وتأمين احتياجات مصر من الوقود والصناعات القائمة على الغاز كمادة أولية كصناعة البتروكيماويات والأسمدة، ومن ثم خلق قيمة مضافة للاقتصاد المصرى وتحويل مصر إلى مركز إقليمى لتجارة الغاز والبترول، ومن ثم التوجه نحو سوق تنافسية تمارس فيها الكيانات القائمة في مجال أنشطة سوق الغاز لتحقيق العديد من الأهداف يمكن إجمالها فى هدفين رئيسيين هما:

  • وضع الشركات القائمة على مصاف الشركات العالمية العاملة فى هذا المجال من حيث كفاءة الأداء والإلتزام بالمعايير العالمية في هذا المجال.
  • إتاحة الفرصة للكيانات الأخرى سواء المحلية أو العالمية للدخول إلى السوق وممارسة أنشطتها بحرية طبقاً لقواعد السوق الحر، والممارسات التي تقوم على أساس الشفافية والعدالة.

ولما كانت مصر تتمتع ببنية تحتية تتوافر فيها كافة التسهيلات المطلوبة الجاذبة للاستثمار مثل شبكة نقل مترامية الأطراف، وشبكات توزيع تستطيع الوصول إلى كافة أنواع المستهلكين تغطى كافة ربوع مصر، ومحطات إسالة تستطيع تحويل الغاز الطبيعى إلى غاز مسال، بل واستقبال الغاز المسال وتحويلة إلى غاز مرة أخرى من خلال الوحدات العائمة القادرة على إعادة التغييز، وخطوط غاز قادرة على الوصول إلى دول الجوار ومهيئة لتصدير أو استقبال الغازات المنتجة من دول الجوار.

فإن التوجه نحو تحرير سوق الطاقة بصفة عامة وسوق الغاز بصفة خاصة، ورصد وتتبع الممارسات العالمية واختيار الأنسب منها للعمل في البيئة المصرية، استدعى تهيئة بيئة تشريعية قادرة على استيعاب وتوجيه الممارسات العالمية لتحقيق الأهداف التي تسعى مصر لتحقيقها من خلال تحرير السوق التى تمارس فيها أنشطة سوق الغاز المصرى، فقد قامت الدولة بإصدار قانون تنظيم أنشطة سوق الغاز المصرى رقم 196 لسنة 2017 ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 239 لسنة 2018. حيث نُشِئ بمقتضى القانون جهاز تنظيم أنشطة سوق الغاز ليكون أداة لتنظيم عمليات التداول لتجارة الغاز من وإلى السوق المصرية وتحقيق التواصل الدائم مع أطراف السوق ويعمل كمراقب من خلال تطبيق أليات مراقبة السوق وتهيئة المناخ لجذب الاستثمارات العالمية والإقليمية ليصبح الجهاز نافذة لكل الجهات التي ترغب في البحث عن فرص الاستثمار والتجارة والتعاون في أنشطة سوق الغاز وتوجيه الممارسات القائمة لكى تصبح على قدم وساق مع الممارسات التى تمارسها الأسواق العالمية في أوروبا وأمريكا بصفة عامة وأى ممارسات ناجحة فى دول أخرى.

هناك تساؤل هام وهو أن الكيانات القائمة تمارس أنشطتها منذ سنوات طويلة، ومن المعروف أن صناعة البترول صناعة عالمية وأنشطتها المختلفة لابد أن تمارس طبقاً لمعايير عالمية، وان الكيانات القائمة قد حصلت بالفعل على تراخيص مزاولة أنشطتها بشكل رسمى، فما الداعى لإصدار تراخيص جديدة لمزاولة أنشطة هى تمارسها بالفعل؟، وما الأسباب الجوهرية التى تدعوها لتوفيق أوضاعها مع مقتضيات القانون ولائحته التنفيذية؟

للإجابة على هذا التساؤل الهام، تجدر الإشارة إلى نقطة جوهرية تكمن في كلمة التنافسية، حيث أن الشركات والكيانات القائمة تمارس أنشطتها فى الوقت الحالى بنظام المشترى الوحيد Single Buyer Model (SBM)، ولا يحظى المستهلك بحق اختيار موردة، ويتمتع شاحن أو ناقل الغاز الوحيد بحق رفض دخول أى طرف خارجى لاستخدام شبكة النقل، كما يتمتع الموزع بحق حصري بمقتضى العقود الموقعة مع الشاحن الوحيد بنطاق جغرافي معين، وتتشابك الأنشطة المختلفة مع بعضها البعض، وليس هناك فصل بين الأنشطة التي تقدم الخدمة والأنشطة المستفيدة، ولا يوجد كود (وثيقة) تنظم العلاقة بين الشاحن والناقل أو الشاحن والموزع، ومن ثم فإن الهدف الأول للقانون: هو تهيئة الشركات القائمة لممارسة أنشطتها المختلفة ومقتضيات القانون.

ومن ناحية أخرى، فإنه حال فتح السوق للكيانات المستقلة من القطاع الخاص المحلى أو الأجنبي، فإن الأمر يقتضى أن تكون الكيانات القائمة مستعدة للمنافسة، وأن الممارسات الاحتكارية بكافة صورها تكون قد تم معالجتها، وان الأسعار قد تم تصحيحها، وأن مقدم الخدمة قد حصل على قيمة عادلة للنشاط أو الأنشطة التي يمارسها، وأن يتم فصل الأنشطة الخدمية عن المستفيدة.

ومن ثم فإن منح تراخيص مزاولة الأنشطة طبقاً ومقتضيات القانون ولائحته التنفيذية، يمثل مؤشر أولى على أن الشركات قد استكملت المستندات اللازمة لممارسة النشاط المطلوب الترخيص له لتقنين وضعها واستكمال المتطلبات الفنية اللازمة لتأكيد قدرة الكيان الممارس للنشاط من الناحية الفنية والتشغيلية على التفاعل مع الكيانات الأخرى والتطوير والتوسع وتحقيق الملائمة المالية والاقتصادية للنشاط بما يضمن أدائها لدورها وفقاً للمعايير العالمية وتحسين جودة الخدمة المؤداة وتوفير الإمكانيات والخبرات والموارد لديها، ثم تأتى المرحلة الثانية الأكثر أهمية وهي مرحلة مراقبة السوق حيث يتم التأكد من أن الممارسات الفعلية تتوافق مع الواقع، وأن مؤشرات أداء الشركات قد أصبحت متقاربة وأن أى حيود قد تم رصده ووضع الحلول المناسبة له لضمان توافر الغاز وتهيئة المناخ المناسب لتحقيق حرية المنافسة وتلافى الممارسات الاحتكارية، وأن السوق أصبحت سوق تنافسية جاذبة للاستثمار والاندماج فى السوق العالمى.